فصل: تفسير الآيات (38- 46):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (نسخة منقحة)



.تفسير الآيات (10- 15):

{قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (10) قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ (11) أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (12) قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ (13) قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ (14) فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (15)}
{قال قائل منهم} وهو يهوذا أكبر إخوته: {لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابت الجب} في موضعٍ مظلمٍ من البئر لا يلحقه نظر النَّاظرين {يلتقطه بعض السيارة} مارَّة الطَّريق {إن كنتم فاعلين} ما قصدتم من التًّفريق بينه وبين أبيه، فلمَّا تآمروا بينهم ذلك وعزموا على طرحه في البئر.
{قالوا} لأبيهم: {مالك لا تأمنا على يوسف} لِمَ تخافنا عليه؟ {وإنا له لناصحون} في الرَّحمة والبرِّ والشَّفقة.
{أرسله معنا غداً} إلى الصَّحراء {نرتعْ ونلعبْ} نسعى وننشط {وإنا له لحافظون} من كلِّ ما تخافه عليه.
{قال إني ليحزنني أن تذهبوا به} ذهابكم به يحزنني؛ لأنَّه يفارقني، فلا أراه {وأخاف أن يأكله الذئب} وذلك أنَّ أرضهم كانت مذأبة {وأنتم عنه غافلون} مشتغلون برعيتكم.
{قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة} جماعةٌ بحضرته {إنا إذاً لخاسرون} لعاجزون.
{فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه غيابت الجب} وعزموا على ذلك أوحينا إلى يوسف في البئر تقويةً لقلبه: لتصدقنَّ رؤياك ولَتُخبِرِنَّ إخوتك بصنيعهم هذا بعد هذا اليوم {وهم لا يشعرون} بأنَّك يوسف في وقت إخبارك إيَّاهم.

.تفسير الآيات (17- 20):

{قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ (17) وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (18) وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلَامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (19) وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ (20)}
{قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق} نشتدُّ ونعدو ليتبيَّن أيُّنا أسرع عَدْواً {وتركنا يوسف عند متاعنا} ثيابنا {فأكله الذئب وما أنت بمؤمنٍ لنا} بمصدِّق لنا {ولو كنَّا صادقين} في كلِّ الأشياء لأنَّك اتَّهمتنا في هذه القصَّة.
{وجاؤوا على قميصه بدم كذب} لأنَّه لم يكن دمه، إنَّما كان دم سخلةٍ {قال} يعقوب عليه السَّلام: {بل} أَيْ: ليس كما تقولون {سوَّلت لكم} زيَّنت لكم {أنفسكم} في شأنه {أمْراً} غير ما تصفون {فصبر} أَيْ: فشأني صبرٌ {جميل} وهو الذي لا جزع فيه ولا شكوى {والله المستعان على ما تصفون} أَيْ: به أستعين في مكابدة هذا الأمر.
{وجاءت سيارة} رفقةٌ تسير للسَّفر {فأرسلوا واردهم} وهو الذي يرد الماء ليستقي للقوم {فأدلى دلوه} أرسلها في البئر، فَتَشَبَّثَ يوسف عليه السَّلام بالرِّشاء فأخرجه الوارد، فلمَّا رآه {قال يا بشرى} أَيْ: يا فرحتا {هذا غلام وأسروه بضاعة} أسرَّه الوارد ومَنْ كان معه من التُّجار من غيرهم، وقالوا: هذه بضاعةٌ استبضعها بعض أهل الماء {والله عليم بما يعملون} بيوسف، فلمَّا علم إخوته ذلك أتوهم، وقالوا: هذا عبدٌ آبقٌ منَّا، فقالوا لهم: فبيعوناه، فباعوه منهم، وذلك قوله: {وشروه بثمن بخسٍ} حرامٍ؛ لأنَّ ثمن الحُرِّ حرامٌ {دراهم معدودة} باثنين وعشرين درهماً {وكانوا} يعني: إخوته {فيه} في يوسف {من الزاهدين} لم يعرفوا موضعه من الله سبحانه وكرامته عليه.

.تفسير الآيات (21- 26):

{وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (21) وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آَتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (22) وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (23) وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (24) وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (25) قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (26)}
{وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته} وهو العزيز صاحب ملك مصر: {أكرمي مثواه} أحسني إليه طول مقامه عندنا {عسى أن ينفعنا} أَيْ: يكفينا- إذا بلغ وفهم الأمور- بعض شؤوننا {أو نتخذه ولداً} وكان حصوراً لا يولد له. {وكذلك} وكما نجَّيناه من القتل والبئر {مكَّنا ليوسف في الأرض} يعني: أرض مصر حتى بلغ ما بلغ {ولنعلمه من تأويل الأحاديث} فعلنا ذلك تصديقاً لقوله {ويُعلِّمك من تأويل الأحاديث} {والله غالب على أمره} على ما أراد من قضائه، لا يغلبه غالبٌ على أمره، ولا يُبطل إرادته منازعٌ {ولكنَّ أكثر الناس} هم المشركون ومَنْ لا يؤمن بالقدر {لا يعلمون} أَنَّ قدرة الله غالبةٌ، ومشيئته نافذةٌ.
{ولما بلغ أشده} ثلاثين سنةً {آتيناه حكماً وعلماً} عقلاً وفهماً {وكذلك} ومثل ما وصفنا من تعليم يوسف {نجزي المحسنين} الصَّابرين على النَّوائب، كما صبر يوسف عليه السَّلام.
{وراودته التي هو في بيتها عن نفسه} يعني: امرأة العزيز طلبت منه أن يُواقعها {وغلقت الأبواب} أَيْ: أغلقتها {وقالت هيت لك} أَيْ: هلمَّ وتعال {قال معاذ الله} أعوذ بالله أن أفعل هذا {إنه ربي} إنَّ الذي اشتراني هو سيِّدي {أحسن مثواي} أنعم عليَّ بإكرامي، فلا أخونه في حرمته {إنه لا يفلح الظالمون} لا يسعد الزُّناة.
{ولقد همت به وهمَّ بها} طمعت فيه وطمع فيها {لولا أن رأى برهان ربِّه} وهو أنَّه مُثِّل له يعقوب عليه السَّلام عاضَّاً على أصابعه يقول: أتعمل عمل الفجَّار، وأنت مكتوبٌ في الأنبياء، فاستحيا منه، وجواب {لولا} محذوف، على معنى: لولا أن رأى برهان ربِّه لأمضى ما همَّ به {كذلك} أَيْ: أريناه البرهان {لنصرف عنه السوءَ} وهو خيانة صاحبه {والفحشاء} ركوب الفاحشة {إنَّه من عبادنا المخلصين} الذين أخلصوا دينهم لله سبحانه.
{واستبقا الباب} وذلك أنَّ يوسف عليه السَّلام لمَّا رأى البرهان قام مُبادراً إلى الباب، واتَّبعته المرأة تبغي التَّشبُّث به، فلم تصل إلاَّ إلى دُبر قميصه، فقدَّته، ووجدا زوج المرأة عند الباب، فحضرها في الوقت كيدٌ، فأوهمت زوجها أنَّ الذي تسمع من العدو والمبادرة إلى الباب كان منها لا من يوسف ف {قالت ما جزاء مَنْ أراد بأهلك سوءاً} تريد الزِّنا {إلاَّ أن يسجن} يحبس في الحبس {أو عذاب أليم} بالضَّرب، فلمَّا قالت ذلك غضب يوسف و{قال هي راودتني عن نفسي وشهد شاهد} وحكم حاكمٌ، وبيَّن مبيِّنٌ {من أهلها} وهو ابنُ عمِّ المرأة، فقال {إن كان قميصه قدَّ من قبلٍ فصدقت وهو من الكاذبين}.

.تفسير الآيات (27- 33):

{وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (27) فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (28) يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ (29) وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (30) فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآَتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (31) قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آَمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونَنْ مِنَ الصَّاغِرِينَ (32) قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (33)}
{وإن كان قميصه قُدَّ من دبرٍ فكذبت وهو من الصادقين}.
{فلما رأى قميصه قُدَّ من دبرٍ} من حكم الشَّاهد وبيانِه ما يُوجب الاستدلال على تمييز الكاذب من الصَّادق، فلمَّا رأى زوج المرأة قميص يوسف قدَّ من دبرٍ {قال إنَّه من كيدكنَّ} أَيْ: قولِك: {ما جزاء مَنْ أراد بأهلك سوءاً...} الآية.
{يوسف} يا يوسف {أعرض عن هذا} اترك هذا الأمر فلا تذكره {واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين} الآثمين، ثمَّ شاع ما جرى بينهما في مدينة مصر حتى تحدَّثت بذلك النِّساء، وخضن فيه وهو قوله: {وقال نسوة في المدينة امرأة العزيز تراود فتاها} غلامها {عن نفسه قد شغفها حُبَّاً} قد دخل حبُّه في شغاف قلبها، وهو موضع الدَّم الذي يكون داخل القلب {إنا لنراها في ضلالٍ} عن طريق الرُّشد بحبِّها إيَّاه.
{فلما سمعت} امرأة العزيز {بمكرهنَّ} مقالتهنَّ، وسمِّيت مكراً لأنهنَّ قصدْنَ بهذه المقالة أن تُريهنَّ يوسف، ليقوم لها العذر في حبِّه إذا رأين جماله، وكنَّ مشتهين ذلك؛ لأنَّ يوسف وُصف لهنَّ بالجمال {أرسلت إليهن} تدعوهنَّ {وأعتدت} وأعدَّت {لهنَّ مُتّكَأً} طعاماً يقطع بالسِّكين. قيل: هو الأترج {وآتت} وناولت {كلَّ واحدةٍ منهن سكيناً وقالت} ليوسف: {اخرج عليهنَّ فلما رأينه أكبرنه} أعظمنه وهَالَهُنَّ أمره وبُهتن {وقطعن أيديهنَّ} حَززْنَها بالسَّكاكين، ولم يجدن الألم لشغل قلوبهنَّ بيوسف {وقلن حاشَ لِلَّه} بَعُدَ يوسف عن أن يكون بشراً {إنْ هذا} ما هذا {إلاَّ ملك كريم} فلمَّا رأت امرأة العزيز ذلك قالت: {فذلكنَّ الذي لُمْتُنَّنِي فيه} في حبِّه والشَّغف فيه، ثم أقرَّّت عندهنَّ بما فعلت فقالت: {ولقد راودته عن نفسه فاستعصم} فامتنع وأبى، وتوعَّدته بالسِّجن فقالت: {ولئن لم يفعل...} الآية؛ فأمرنه بطاعتها، وقلن له: إنَّك الظَّالم وهي المظلومة، فقال يوسف: {ربِّ السجن أحبُّ إلي ممَّا يدعونني إليه} من معصيتك {وإلاَّ تصرف عني كيدهنَّ} كيد جميع النِّساء {أصبُ إليهنَّ} أمل إليهنَّ {وأكن من الجاهلين} المذنبين.

.تفسير الآيات (34- 37):

{فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (34) ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآَيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (35) وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآَخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (36) قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (37)}
{فاستجاب له ربُّه فصرف عنه كيدهنَّ} حتى لم يقع في شيءٍ ممَّا يطالبنه به {إنَّه هو السميع} لدعائه {العليم} بما يخاف من الإثم.
{ثم بدا لهم} للعزيز وأصحابه {من بعد ما رأوا الآيات} آيات براءة يوسف {ليسجننه حتى حين} وذلك أنَّ المرأة قالت: إنَّ هذا العبد فضحني في النَّاس يُخبرهم أنِّي راودته عن نفسه، فاحبسه حتى تنقطع هذه المقالة، فذلك قوله: {حتى حين} أَيْ: إلى انقطاع اللائمة.
{ودخل معه السجن فتيان} غلامان للملك الأكبر، رُفع إليه أنَّ صاحب طعامه يريد أن يَسُمَّه، وصاحب شرابه مَالأَهُ على ذلك، فأدخلهما السِّجن، ورأيا يوسف يُعبِّر الرُّؤيا، فقالا: لنجرِّب هذا العبد العبرانيّ، فتحالما من غير أن يكونا رأيا شيئاً، وهو قوله {قال أحدهما} وهو السَّاقي {إني أراني أعصر خمراً} أَيْ: عنباً، وقال صاحب الطَّعام: {إني أراني أحمل فوق رأسي خبزاً} رأيتُ كأنَّ فوقَ رأسي خبزاً {تأكل الطير منه} فإذا سباعُ الطير يَنْهَشْنَ منه {نبئنا بتأويله} أَيْ: خبرنا بتفسير الرُّؤيا {إنا نراك من المحسنين} تُؤثر الإِحسان، وتأتي جميل الأفعال، فعدلَ يوسف عليه السَّلام عن جواب مسألتهما، ودَلَّهما أولاً على أنَّه عالمٌ بتفسير الرُّؤيا فقال: {لا يأتيكما طعام ترزقانه} تأكلان منه في منامكما {إلاَّ نبأتكما بتأويله} في اليقظة {قبل أن يأتيكما} التَّأويل {ذلكما مما علمني ربّي} أَيْ: لست أخبركما على جهة التَّكهُّن والتَّنجُّم، إنَّما ذلك بوحي من الله عزَّ وجلَّ وعلمٍ، ثمَّ أخبر عن إيمانه واجتنابه الكفر بباقي الآية.

.تفسير الآيات (38- 46):

{وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آَبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (38) يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (39) مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (40) يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآَخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ (41) وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ (42) وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ (43) قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ (44) وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (45) يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (46)}
{ما كان لنا أنْ نشرك بالله من شيء} يريد: إنَّ الله سبحانه عصمنا من أن نشرك به {ذلك من فضل الله علينا} أَيْ: اتِّباعنا للإِيمان بتوفيق الله تعالى وتفضُّله علينا {وعلى الناس} وعلى مَنْ عصمه الله من الشِّرك حتى اتَّبع دينه {ولكنَّ أكثر الناس لا يشكرون} نعمة الله بتوحيده، والإِيمان برسله، ثمَّ دعاهما إلى الإِيمان، فقال: {يا صاحبي السجن} يعني: يا ساكنيه: {أأرباب متفرِّقون} يعني: الأصنام {خير} أعظم في صفة المدح {أم الله الواحد القهار} الذي يقهر كلَّ شيءٍ.
{ما تعبدون من دونه} أنتما ومَنْ على مثل حالكما من دون الله {إلاَّ أسماءً} لا معانيَ وراءها {سميتموها أنتم}، {إن الحكم إلاَّ لله} ما الفصلُ بالأمر والنَّهي إلاَّ لله {ذلك الدين القيم} المستقيم {ولكنَّ أكثر الناس لا يعلمون} ما للمطيعين من الثَّواب، وللعاصين من العقاب، ثمَّ ذكر تأويل رؤياهما بقوله: {يا صاحبي السجن أمَّا أحدكما فيسقي ربَّه خمراً وأمَّا الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه} فقالا: ما رأينا شيئاً، فقال: {قُضِيَ الأمر الذي فيه تستفتيان} يعني: سيقع بكما ما عبَّرت لكما، صدقْتُما أم كذبتما.
{وقال} يوسف {للذي ظنَّ} علم {إنَّه ناج منهما} وهو السَّاقي: {اذكرني عند ربك} عند الملك صاحبك، وقل له: إنَّ في السِّجن غلاماً محبوساً ظلماً {فأنساه الشيطان ذكر ربه} أنسى الشَّيطان يوسف الاستغاثة بربِّه، وأوقع في قلبه الاستغاثة بالملك، فعوقب بأن {لبث في السجن بضع سنين} سبع سنين، فلمَّا دنا فرجه وأراد الله خلاصه رأى الملك رؤيا، وهو قوله: {وقال الملك إني أرى...} الآية. فلمَّا استفتاهم فيها.
{قالوا أضغاث أحلام} أحلامٌ مختلطةٌ لا تأويل لها عندنا {وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين} أقرُّوا بالعجز عن تأويلها.
{وقال الذي نجا منهما} وهو السَّاقي {وادَّكر بعد أمةٍ} وتذكَّر أمر يوسف بعد حين من الدَّهر: {أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون} فأُرسل، فأتى يوسف فقال: {يوسفُ} أَيْ: يا يوسف {أيها الصديق} الكثير الصِّدق، وقوله: {لعلي أرجع إلى الناس} يعني: أصحاب الملك {لعلهم يعلمون} تأويل رؤيا الملك من جهتك.